العيني

143

عمدة القاري

الفحل . وحديث ابن عباس ، رضي الله عنهما ، في بريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم خيرها بعد أن اشترتها عائشة وأعتقتها ، وأن ابن عباس يفتي أن بيعها طلاق ، وما رواه مخالف لفتياه ، لأنه لو كان بيعها طلاقاً لم يخير وهي مطلقة ؟ وروت عائشة ، قالت : فرضت الصلاة ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر ، وكانت عائشة تتم . فترك الكوفيون والقاضي إسماعيل قولها وأخذوا بحديثها ، وقالوا : قصر الصلاة في السفر فريضة ، ورواه أشهب عن مالك ، وروى عنه أبو مصعب أنه سنة ، وذهب جماعة والشافعي إلى التخيير بين القصر والإتمام ، والله أعلم . بيان استنباط الأحكام : وهو على وجوه . الأول : في قول أبي شريح : ( ائذن لي أيها الأمير ) حُسن التلطف في الإنكار لا سيما مع الملوك فيما يخالف مقصودهم ، لأن التلطف بهم أدعى لقبولهم لا سيما من عرف منه بارتكاب هواه ، وأن الغلظة عليهم قد تكون سبباً لإثارة فتنة ومعاندة . الثاني : فيه وفاء أبي شريح ، رضي الله عنه ، بما أخذه الله على العلماء من الميثاق في تبليغ دينه ونشره حتى يظهر ، وقد روى ابن إسحاق في آخره أنه قال له عمرو بن سعيد : نحن أعلم بحرمتها منك ، فقال له أبو شريح : إني كنتُ شاهداً وكنتَ غائباً ، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ شاهدُنا غائبنا ، وقد أبلغتك فأنت وشأنك . وقال ابن بطال : كل من خاطبه النبي ، صلى الله تعالى عليه وسلم ، بتبليغ العلم من كان في زمنه فالتبليغ عليه متعين ، وأما من بعدهم فالتبليغ عليهم فرض كفاية . قلت : فيه نظر ، فقد ذكر أبو بكر بن العربي أن التبليغ عن النبي ، عليه الصلاة والسلام ، فرض كفاية إذا قام به واحد سقط عن الباقين ، وقد كان النبي ، عليه الصلاة والسلام ، إذا نزل عليه الوحي والحكم لا يبوح به في الناس ، لكن يخبر به من حضره ثمة على لسان أولئك إلى مَن ورَاءهم قوماً بعد قوم ، قال : فالتبليغ فرض كفاية والإصغاء فرض عين ، والوعي والحفظ يترتبان على معنى ما يستمع به ، فإن كان ما يخصه تعين عليه ، وإن كان يتعلق به وبغيره كان العمل فرض عين ، والتبليغ فرض كفاية ، وذلك عند الحاجة إليه ، ولا يلزمه أن يقول ابتداء ولا بعده ، فقد كان قوم من الصحابة يكثرون الحديث : قال رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، فحبسهم عمر ، رضي الله عنه ، حتى مات وهم في سجنه . هذا آخر كلامه . الثالث : استدل بقوله : ( لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر . . . ) الحديث ، بعضهم على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة ، والصحيح عند الأصوليين خلافه . وأجيب : بأنه لا مفهوم له ، وقد استعمل منطوقه بتحريم القتال على المؤمن فيها . الرابع : استدل بعضهم بقوله : ( أن يسفك بها دماً ) على تحريم القتال بمكة ، وهو الذي يدل عليه السياق ، وهو قوله : ( فإن أحد ترخص . . . ) الخ . وقوله في بعض طرق الحديث : ( وإنه لم يحل القتال لأحد قبلي ) ، والضمير في : إنه ، للشأن . وهذه الأحاديث ظاهرها يدل على أن حكم الله تعالى أن لا يقاتل من كان بمكة ، ويؤمن من استجار بها ولا يتعرض له ، وهو قول قتادة وغيره في تفسير قوله تعالى : * ( أو لم يروا إنا جعلنا حرما آمنا ) * ( العنكبوت : 67 ) وكانت عادة العرب احترام مكة . وقال الماوردي : من خصائص الحرم أن لا يحارب أهله ، فإن بغوا على أهل العدل ، قال بعض الفقهاء : يحرم قتالهم ويضيقوا عليهم حتى يرجعوا إلى الطاعة . وقال جمهور الفقهاء : يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردهم إلاَّ بالقتال ، لأن قتال أهل البغي من حقوق الله تعالى التي لا تجوز إضاعتها ، فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها . قال النووي : هذا هو الصواب ، وقد نص عليه الشافعي في كتاب : اختلاف الحديث ، في ( الأم ) . وأجاب الشافعي عن الأحاديث المذكورة بأن التحريم يعود إلى نصب القتال وقتالهم بما يعم كالمنجنيق وغيره إذا لم يمكن إصلاح الحال بدونه ، بخلاف ما إذا تحصن الكفار ببلد آخر ، فإنه يجوز قتالهم على كل وجه بكل شيء . وقال القفال ، من أصحاب الشافعي ، في ( شرح التلخيص ) في أول كتاب النكاح : لا يجوز القتال بمكة ، ولو تحصنت جماعة من الكفار فيها لم يجز قتالهم . قال النووي : الذي قاله القفال غلط ، نبهت عليه . قلت : بل هو موافق للقول الأول الذي حكاه الماوردي . وظاهر الحديث يعضده ، فإن قوله : ( لا يحل لأحد ) نكرة في سياق النفي فتعم . الخامس : استدل أبو حنيفة بقوله : ( لا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ) على أن الملتجىء إلى الحرم لا يقتل لأنه عام يدخل فيه هذه الصورة ، وحكى ابن بطال اختلاف العلماء فيمن أصاب حداً من قتل أو زناً أو سرقة ، فقال ابن عباس وعطاء والشعبي : إن إصابه في الحرم أقيم عليه وإن أصابه في غير الحرم لا يجالس ولا يدانى حتى يخرج فيقام عليه ، لأن الله تعالى جعله آمناً دون غيره فقال : * ( ومن دخله كان آمنا ) * ( آل عمران : 97 ) وقال آخرون : إذا أصابه في غير الحرم ثم لجأ إليه يخرج ويقام عليه الحد ، ولم يحضروا مجالسته ولا مسامعته ، وهو مذهب ابن الزبير والحسن ومجاهد . وقال آخرون :